وهبة الزحيلي
255
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
فهذه أمثال للمؤمن والإيمان والعاقبة ، والكافر والكفر والمصير ، كما قال تعالى : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ ، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا ؟ ! [ هود 11 / 24 ] وقال عز وجل : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ، وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ، كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها [ الأنعام 6 / 122 ] . قال قتادة : هذه كلها أمثال ؛ أي كما لا تستوي هذه الأشياء ، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن . ثم بيّن تعالى مصدر الهداية ، فقال : إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ ، وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي إن اللّه يهدي من يشاء إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها ، وكما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم ، وهم كفار ، بالهداية والدعوة إليها ، كذلك هؤلاء المشركون لا تستطيع أيها النبي هدايتهم ؛ لأن الكفر أمات قلوبهم . وأما مهمة الرسول فهي : إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ أي ما أنت إلا رسول منذر عذاب اللّه ، ليس عليك إلا الإنذار والتبليغ ، أما الهدى والضلالة فهي بيد اللّه عز وجل . إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً أي أرسلناك أيها الرسول إرسالا مصحوبا بالحق ، والمرسل محق ، وكذا المرسل محق ، مبشرا المؤمنين أهل الطاعة بالجنة ، ومنذرا الكافرين أهل المعصية بالنار . والإرسال منهج عام في البشرية ، فقال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ أي ما من أمة من بني آدم سبقت إلا وقد بعث اللّه إليهم النذر ، وأزاح عنهم العلل ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ، وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ، فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ [ النحل 16 / 36 ] .